ابن كثير
39
السيرة النبوية
قلت : وفي عامها ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشهور ، وقيل كان قبل مولده بسنين ، كما سنذكر إن شاء الله تعالى وبه الثقة . ثم ذكر ابن إسحاق ما قالته العرب من الاشعار في هذه الكائنة العظيمة التي نصر الله فيها بيته الحرام ، الذي يريد أن يشرفه ويعظمه ، ويطهره ويوقره ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وما يشرع له من الدين القويم ، الذي أحد أركانه الصلاة بل عماد دينه ، وسيجعل قبلته إلى هذه الكعبة المطهرة ، ولم يكن ما فعله بأصحاب الفيل نصرة لقريش إذ ذاك على النصارى الذين هم الحبشة ، فإن الحبشة إذ ذاك كانوا أقرب لها من مشركي قريش ، وإنما كان النصر للبيت الحرام ، وإرهاصا وتوطئة لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم . فمن ذلك ما قاله عبد الله بن الزبعرى السهمي : تنكلوا ( 1 ) عن بطن مكة إنها * كانت قديما لا يرام حريمها لم تخلق الشعرى ليالي حرمت * إذ لا عزيز من الأنام يرومها سائل أمير الحبش ( 2 ) عنها ما رأى * فلسوف ينبي الجاهلين عليمها ستون ألفا لم يئوبوا أرضهم * بل لم يعش بعد الإياب سقيمها كانت بها عاد وجرهم قبلهم * والله من فوق العباد يقيمها ومن ذلك قول أبى قيس بن الأسلت الأنصاري المدني : ومن صنعه يوم فيل الحبوش * إذ كلما بعثوه رزم ( 3 ) محاجنهم تحت أقرابه * وقد شرموا أنفه فانخرم ( 4 ) وقد جعلوا سوطه مغولا * إذا يمموه قفاه كلم ( 5 ) فولى وأدبر أدراجه * وقد باء بالظلم من كان ثم
--> ( 1 ) رويت أيضا : تنكبوا بالباء . ومعناها على كلا الروايتين : انصرفوا وارجعوا خوفا وهيبة . ( 2 ) ابن هشام : أمير الجيش . ( 3 ) رزم : أقام في مكانه لم يتحرك . ( 4 ) الأقراب جمع قرب بضمتين ، وهو الخاصرة ، أو من الشاكلة إلى مراق البطن . ( 5 ) المغول : سكين كبيرة .